تقف المنظمات الحقوقية الفلسطينية عاجزة عن ملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات من قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحافيين أمام المحاكم الدولية مع تزايد هذه الانتهاكات كماً ونوعاً.

وارتكبت القوات الإسرائيلية نحو 512 انتهاكاً خلال الأشهر التسعة في العام الجاري بزيادة تصل إلى 50 بالمائة عن الفترة نفسها من العام الماضي وفق احصاءات لمركز غزة لحرية الإعلام.

وقد شكلت عدد من المراكز الحقوقية والمدافعة عن الحريات الإعلامية في فلسطين أخيرا تكتلا لإعداد ملف متكامل حول الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية بحق الصحافة للتوجه للمحاكم الأوروبية وصولاً إلى محكمة الجنايات الدولية.

وفي مقابلة مع مركز الدوحة، قال سمير زقوت نائب مدير مركز “الميزان” لحقوق الإنسان أن مركزه بالشراكة مع عدد من المؤسسات الحقوقية يعد حالياً ملفاً خاصاً عن مقتل الشهيدين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين الذين قتلا بنيران جنود الاحتلال الإسرائيليين خلال أحداث مسيرات العودة الجارية، مبيناً أنه سيتم رفع شكوى أمام المحاكم الدولية لمقاضاة الاحتلال الإسرائيلي، وفيما يلي نص الحوار:

كيف ترون واقع حرية الإعلام والتعبير في فلسطين في ظل الانتهاكات المستمرة؟

إذا تأملنا في السياق التاريخي، نجد أن ممارسات الاحتلال كلها تنتهك حرية الرأي والتعبير، وتقمع الحريات، ولا شك أن الفلسطينيين ضحوا كثيرا من أجل انتزاع حريتهم في العمل الصحفي، الذي يعتبر تجسيداً للحق في حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات ونشرها وإشاعتها.

كما نرى أن الاحتلال لا يتورع عن قتل صحفي بغرض منعه من تغطية ما يرتكبه من انتهاكات على الأرض، ولعل استشهاد الصحفيين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين عام 2018 شاهد حي على ذلك، وهم من بين عشرات الصحفيين الذين استهدفوا بشكل مباشر ومتعمد خلال مسيرات العودة.

هل نجح الاحتلال الإسرائيلي من خلال هذه الممارسات في تقيد حرية الصحافة؟

رغم قسوة الاحتلال إلا أنه لم ينجح في تكميم الأفواه، لكن السلطات المحلية الفلسطينية كانت أشد قسوة في أثرها على الصحافيين، ولاسيما بعد الانقسام الفلسطيني، وتجدر الإشارة إلى أن الانتهاكات غير مسبوقة لم تقف عند حدود ملاحقة الصحفيين والإعلاميين، بل طاولت التضييق على الحق في التعبير وإبداء الرأي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لماذا تستمر هذه الممارسات الممنهجة ضد الصحفيين، هل بسبب غياب المساءلة والمحاسبة أو القفز على القانون الدولي؟

تتواصل الانتهاكات في ظل غياب المسائلة سواء التي تمارسها قوات الاحتلال أو السلطات المحلية في الضفة والقطاع، غذ تتنوع الانتهاكات الموجهة ضد الصحافيين وحرية الرأي والتعبير، بين أعمال القتل والترهيب والاعتقال التعسفي، وقد أصبحت سلطات الاحتلال تزج بأي أحد في السجن، فقط لمجرد تعبيره عن رأيه على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تتردد في الاعتداء على الصحافيين خلال تغطيهم للأحداث على الهواء مباشرة، وهذه انتهاكات ما كان لها أن تستمر وتتصاعد لولا غياب العدالة، وعدم إنصاف الضحايا، واستمرار الحصانة وعدم معاقبة من يرتكبون انتهاكات أو المسئولين عنها.

ما هو دوركم كمؤسسات حقوقية في متابعة قضايا الانتهاكات ضد الصحافيين؟

المؤسسات الحقوقية تبذل جهدا كبيرا في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وتأمين بيئة العمل الصحافي، وفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي وكشف الانتهاكات المحلية، حيث تتبنى المؤسسات الحقوقية تلك القضايا، وترفع بشأنها شكاوى ودعاوى إلى المحاكم والجهات المختصة، وتصدر البيانات والتقارير، وتستنفذ كل الوسائل والآليات المتاحة، سواء آليات الأمم المتحدة التعاقدية وغير التعاقدية، أو اللجوء إلى القضاء الدولي.

وتقوم الفرق العاملة في المؤسسات بإجراء تحقيقات ميدانية، وتجمع كماً كبيراً من المعلومات التي تثبت انتهاك قوات القانون الدولي، وتعد ملفاتها وفي حالة الاحتلال فإنها بعد استنفاذ الآليات المحلية المتاحة يمكن أن تلجأ إلى المحاكم في الدول التي تعمل الولاية العالمية للقضاء، كما جرى في السابق في عدة محاولات كان آخرها صدور مذكرة توقيف بحق وزير خارجية إسرائيل السابق تسيفي ليفني، واليوم هناك قضايا مرفوعة في أكثر من دولة، وهي مبنية على جهود المنظمات الحقوقية، هذا بالإضافة إلى المذكرات التي تواصل منظمات رفعها للمحكمة الجنائية الدولية.

ما هي العقبات التي تواجهكم من أجل ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين؟

نحن كمؤسسات محلية محدودة القدرات والإمكانيات المادية، وفي الآونة الأخيرة أصبحت هذه المؤسسات مرصودة من الكلَّ، بينما تزداد التحديات وأهمها غياب سيادة القانون بسب الانقسام الفلسطيني.

ففي السابق كان هناك إمكانية الملاحقة والمتابعة لأن القضاء لم يكن محل خلاف، لكن اليوم نراه مسيسا، إلى جانب مواصلة المجتمع الدولي التعامل بمعايير مزدوجة عندما يتعلق الأمر بالأراضي الفلسطينية المحتلة وغياب الحاضنة السياسية والدبلوماسية العربية والإسلامية، دون وجود رؤية استراتيجية للاستفادة من الممكنات التي يُتيحها القانون الدولي والإنساني في ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي، والذي نجح في ممارسة ضغوطات سياسية كبيرة أفضت إلى تغيير بعض دول أوروبا، لقوانينها المحلية لتحول دون لجوء الضحايا لمحاكمها عبر تقليص ولايتها القضائية، إلى جانب الغياب العربي والفلسطيني وغياب الإرادة لدولية والموقف العربي الذي أسهم في تهريب المجرمين وإفلاتهم من العقاب.

 

غزة- أميرة نصَّار