قطعت تونس شوطا مهما في تأمين شرط أساسي من شروط حرية الإعلام بعد تصديق البرلمان على مشروع قانون أساسي يتعلق بحق النفاذ إلى المعلومات، ويُعتبر هذا القانون، الذي أتى ثمرة لضغوط شديدة من قوى المجتمع المدني على الحكومة وأعضاء البرلمان، الأول من نوعه في العالم العربي، إذ يضع بلدا عربيا في مصاف الدول العريقة في الديمقراطية، على صعيد تيسير الوصول إلى المعلومات، حتى لو تعلقت برئاسة الجمهورية أو وزارة الدفاع.
 </div

قطعت تونس شوطا مهما في تأمين شرط أساسي من شروط حرية الإعلام بعد تصديق البرلمان على مشروع قانون أساسي يتعلق بحق النفاذ إلى المعلومات، ويُعتبر هذا القانون، الذي أتى ثمرة لضغوط شديدة من قوى المجتمع المدني على الحكومة وأعضاء البرلمان، الأول من نوعه في العالم العربي، إذ يضع بلدا عربيا في مصاف الدول العريقة في الديمقراطية، على صعيد تيسير الوصول إلى المعلومات، حتى لو تعلقت برئاسة الجمهورية أو وزارة الدفاع.
لكن المشروع الأصلي للقانون التونسي لم يكن يتضمن من التسهيلات والضمانات ما جاء به القانون النهائي الذي صدر في الجريدة الرسمية يوم 29 آذار (مارس) الماضي.
ولا يقتصر القانون على الإعلاميين والباحثين وإنما يرمي -بحسب البند الأول- إلى “ضمان حق كل شخص طبيعي أو معنوي في النفاذ إلى المعلومة بُغية الحصول عليها، وتعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة، وخاصة فيما يتعلق بإدارة المرفق العام ودعم الثقة في الهياكل (الهيئات) الخاضعة لأحكام هذا القانون، ودعم مشاركة العموم في وضع السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييمها ودعم البحث العلمي”. 
وينسجم مضمون القانون الجديد مع الاتفاقات والمواثيق الدولية بهذا الشأن، وخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في عام 1946، الذي ينص على أن حرية الوصول إلى المعلومات حق أساسي للإنسان وحجر الزاوية لجميع الحريات. 
وبإجراء مقارنة بين المشروع المعروض على النواب والصيغة النهائية للقانون، يتضحُ أن العبارات الغائمة والملتبسة التي طغت على النسخة الأولى تم حذفها والاستعاضة عنها بتعبيرات دقيقة لا تحتمل التأويل، فتعريف “الهياكل العمومية” (الهيئات العمومية) اقتصر في المشروع الأول على “الإدارات المركزية والجهوية للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية، بالإضافة إلى الهيئات التشريعية والهيئات القضائية”، وهو كلامٌ ضبابي. 
أما القانون فنص بوضوح على أن هذا الأخير “ينطبق على الهياكل التالية: رئاسة الجمهورية وهياكلها ورئاسة الحكومة وهياكلها ومجلس نواب الشعب وهياكله والوزارات ومختلف الهياكل تحت الإشراف بالداخل والخارج والبنك المركزي والمؤسسات والمنشآت العمومية وتمثيلياتها بالخارج والهيئات القضائية والمحكمة الدستورية ومحكمة المحاسبات والهيئات الدستورية”. 
واستجابة للضغوط أيضا ألزم القانون في بنده السادس جميع الهيئات العمومية بنشر المعلومات المتصلة بالمهام الأساسية الموكولة لها، وبهيكلها التنظيمي وعنوان مقرها الرئيس ومكاتبها الفرعية، بالاضافة لقائمة إسمية برؤساء تلك الهيئات والمعلومات اللازمة للاتصال بهم.
أكثر من ذلك ألزم القانون الهيئات العمومية بنشر قائمة الوثائق المتوافرة لديها، إلكترونيا وورقيا، المرتبطة بالخدمات التي تُسديها كل هيئة، زيادة على دليل لمساعدة المتعاملين مع الهيئات العمومية على الوصول مباشرة إلى مصدر المعلومات، وبهذه الطريقة يمكن القول إن المعلومة تأتي للباحث عنها، إن كان إعلاميا أم أكاديميا أم مواطنا عاديا، قبل أن يطلبها.  
وفي السياق نفسه، ألزم بندٌ آخر “جميع الهيئات المختصة بالمجال الاقتصادي أو المالي أو الاجتماعي أو الإحصائي، التي تُنتجُ معلومات في مجالات تخصصها، بأن تنشر بشكل دوري “المعلومات الإحصائية والإقتصادية والإجتماعية (…) وكل معلومة تتعلق بالمالية العمومية، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالإقتصاد الكمي والمديونية العمومية والحسابات الوطنية وأصول وديون الدولة (…) وكذلك المعطيات التفصيلية المتعلقة بالميزانية على المستوى المركزي والجهوي والمحلي”، كما ألزم الهيئات المعنية بتحديث تلك المعلومات مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل.
مع ذلك تضمن القانون قيودا واستثناءات، غير أنه حدد إطارها ومجالاتها  كي لا تكون مُبررا لحجب المعلومة، إذ أكد أنه لا يمكن رفض طلب النفاذ إلى المعلومة، إلا إذا كان ذلك يؤدي إلى إلحاق ضرر بالأمن الوطني والعلاقات الدولية، بالاضافة لضرورة حماية الحياة الخاصة والمعلومات الشخصية والملكية الفكرية. 
وأوضح القانون أن هذه الاستثناءات ليست مطلقة، مُشترطا أن يكون الضرر الناتج عن إفشاء المعلومات “جسيما”، وألزم الجهات المعنية بتقديم تفسير مُعلل إلى طالب المعلومة في حال الرفض، مع انتهاء مفعول ذاك الرفض بزوال أسبابه المبينة في الرد على مطلب النفاذ.
ولم يتسن تحصيل كل هذه الميزات والتسهيلات إلا بعد صراع استمر قرابة السنة على مدى الأشهر التي سبقت التصديق على القانون، إذ عرضت الحكومة على مجلس النواب مسودة أولى للمشروع، فأثارت ثائرة النقابات والجمعيات الأهلية المعنية بحرية الإعلام، التي اعتبرت المسودة خطوة إلى الوراء وعقبة في طريق الوصول إلى المعلومات ورأت أنه مخالفٌ لمقتضيات الدستور، ما اضطر الحكومة إلى سحبها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وإدخال تعديلات عليها. 
غير أن التعديلات، التي تعلقت بالاستثناءات (البند 24)، لم تُرض المجتمع المدني في غالبية مُكوناته، فطلب سحب المشروع مُجددا “كي لا يكون مدخلا لعودة الاستبداد”، قبل أن يُدخل البرلمان تعديلات جوهرية على المشروع ويُصدق عليه في صيغته المُعدَلة، التي نصت خاصة على أن تأمين المعلومة هو القاعدة وحجبها هو الاستثناء، وفي أضيق الحدود، كما نصت أيضا على أن “لكل شخص الحق في النفاذ إلى المعلومة بصفة مجانية”، وهو ما اعتُبر انتصارا للمجتمع المدني إزاء سعي الحكومة المُتكرر إلى توسيع الاستثناءات.
ومع أن بعض المُحللين أشار إلى أن سن القانون أتى استجابة لـ”نصائح” صندوق النقد الدولي، الذي طلب من تونس وضع خمسة قوانين اعتبرها في مقدمة “إصلاحات تشريعية مُستعجلة”، رأى طيفٌ واسع من نشطاء المجتمع المدني أن هذا القانون لم يكن سوى لبنة أخرى في مسار الانتقال الديمقراطي، والقانون الأول الذي يُكرس حقا دستوريا هو حق النفاذ إلى المعلومات، المُضمن في البند 32 من دستور الجمهورية الثانية. 
وتجدر الإشارة إلى أن سن هذا القانون سيتعزز بقانون جديد يمكن اعتبارُه مُكملا له، ويتمثل في مشروع القانون الخاص بحماية المبلغين عن الفساد، الذي سيعرض على مجلس نواب الشعب بعد موافقة مجلس الوزراء عليه.
ولاشك أن هذا المكسب التشريعي والإعلامي العربي سيُعزز الجهود المماثلة في البلدان العربية الأخرى، الرامية لإيجاد تشريعات تُسهل الوصول إلى مصادر المعلومات وتحد من العراقيل التي تُكبل عمل الصحفيين وتحميهم من المخاطر. 
بهذا المعنى يُعتبر القانون سابقة ستؤُثر إيجابا في سائر البلدان العربية الأخرى حيث لا تلحظ القوانين (إن وُجدت) ضمانات واضحة تحمي حق الوصول إلى المعلومات، كما أن مثل هذه التشريعات الحامية للحريات الإعلامية تساعد على ازدهار الصحافة الاستقصائية في العالم العربي، وتساهم في الرقابة على الأجهزة الحكومية وتُعزز دور المؤسسات الرقابية الأخرى.    
ولعل من المفيد التذكير ههُنا بأن العرب لم يعرفوا قوانين تضمن الوصول إلى مصادر المعلومات سوى في عدد ضئيل من البلدان يقل عن أصابع اليد الواحدة، وهي الأردن واليمن والمغرب، بالاضافة لمرسوم صدر في تونس بعد أشهر من “ثورة الياسمين” في مطلع 2011، وربما يُعتبر القانون الأردني الصادر في 2007 أفضلها حاليا بعدما أدت الحرب الدائرة في اليمن إلى تعليق العمل بالقانون اليمني الخاص بالوصول إلى مصادر المعلومات، والذي يتضمن ميزات أفضل من القانون الأردني. 
ويشتمل القانون الأردني على استثناءات واسعة وقيود متنوعة تجعل ضمان سلاسة النفاذ إلى المعلومات أمرا في غاية التعقيد، وعلى الرغم من إدخال بعض الإصلاحات على الدستور الأردني بمناسبة مراجعة بعض بنوده في 2011 فإنها لم تشمل تعديل المادة 15 لكي تُثبِت الحق في الوصول إلى المعلومات بوصفه حجر الزاوية للحريات الإعلامية. 
رابط النص الكامل للقانون في الجريدة الرسمية http://www.uma.rnu.tn/image.php?id=684
* إعلامي وباحث تونسي