بعد مرور أكثر من ست سنوات على ثورات “الربيع العربي”، عاد وضع الإعلام في أكثر من دولة عربية مستها رياح ذلك الربيع، إلى وضع أسوء مما كان عليه قبل اندلاع تلك الثورات.

بعد مرور أكثر من ست سنوات على ثورات “الربيع العربي”، عاد وضع الإعلام في أكثر من دولة عربية مستها رياح ذلك الربيع، إلى وضع أسوء مما كان عليه قبل اندلاع تلك الثورات.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة السابقة -رغم أنها كانت استبدادية- تسمح بهامش من الحرية لبعض الأصوات والمنابر الإعلامية المنتقدة، يصعب أن نجد اليوم صدى لمثل هذه الأصوات في الدول التي عاشت ثورات حقيقية مثل: مصر وليبيا واليمن وسوريا، أو تلك التي عبرتها رياح ذلك الربيع مثل البحرين والمغرب، وإلى حد ما الأردن.

هذا الوضع تتحمل مسؤوليته الأنظمة التي جاءت بها تلك الثورات، سواء منها تلك التي وصلت إلى الحكم أو قادت الثورات، وبالنسبة لتلك التي وصلت إلى الحكم لم تنجح في سن قوانين صلبة تضمن وتحمي حرية الصحافة وتطور وسائل الإعلام، أما بالنسبة للقوى التي قادت الثورات فقد فشلت في أن تعطي النموذج لما يمكن أن تكون عليه حرية الرأي والتعبير عموما، وحرية الصحافة في الأنظمة التي تسعى إلى إقامتها.

لكن جانبا من المسؤولية لا يمكن الاستهانة به، ويتحمله العاملون في هذا القطاع من إعلاميين وصحفيين، فقد كشفت تحولات ثورات “الربيع العربي” و”الثورات المضادة”، أن  كثيرا من العاملين داخل هذا المجال في الدول التي مستها رياح “الربيع العربي”، يفتقدون إلى ما هو جوهري في عملهم أي “فضيلة الأخلاق”، لأن “أخلاقيات المهنة” ليست مجرد قواعد وقوانين، وإنما هي قبل كل شيء ضمير حي يحمله صاحب رسالة الصحافة التي ستبقى نبيلة مهما حاول الدخلاء إفسادها.

وكما يقول جوزيف بوليتزر بأن “الإعلام دون مُثل أخلاقية عليا لا يتجرد فقط من إمكاناته الرائعة للخدمة العامة، ولكنه يصبح خطراً فعلياً على المجتمع”، وهذا ما أصبحت عليه كثير من وسائل الإعلام اليوم في بلدانها في ليبيا ومصر واليمن وسوريا.. فقد تحولت وسائل الإعلام في هذه الدول إلى “محاكم تفتيش” لكل الأصوات المنتقدة، ومنابر لإثارة النعرات بكل ألوانها الدينية والطائفية والإثنية، وتأجيج الصراعات، وإشعال الحروب الأهلية.

غياب الثقة

كرست صفة “انعدام الثقة” إحدى سمات الإعلام في دول “الربيع العربي” قبل 2011، خاصة الإعلام الرسمي، وبعد التغييرات التي أحدثتها الثورات التي شهدتها المنطقة صدرت عدة تقارير تتحدث عن ارتفاع نسبة متابعة الإعلام المحلي في تلك الدول.

كان ذلك بعد سنة من قيام تلك الثورات، لكن بعد النكسات المتتالية التي أحدثتها الثورات المضادة في أكثر من بلد عرف هذه النكسات، هدم عامل الثقة من جديد بين وسائل الإعلام المحلية وجمهورها، وأصبح غياب الثقة بين وسائل الإعلام وجمهورها واحدا من أبرز السمات التي تطبع الإعلام اليوم، في تجارب الدول الأربعة التي يوردها هذا المقال باختصار.

تونس: مرحلة “تنظيم السير

كانت تونس من بين أكثر دول “الربيع العربي” التي وعت بضرورة إصلاح الإعلام، ومنذ فجر الثورة تم تأسيس هيئة مستقلة لإنجاز تصور عن كيفية إصلاح الإعلام، وعهد أمر هذه الهيئة إلى الصحافي والمدافع عن حريات الصحافة كمال العبيدي، لكن مع الأسف لم يجد التقرير المفصل الذي أعده هو وفريقه الصغير وكلهم متطوعون طريقه إلى التنفيذ.

ومع وصول حكومة حزب “النهضة”، فقد خابت آمال كثير من الإعلاميين التونسيين، خاصة بسبب التصور الذي كانت تحمله لإصلاح الإعلام، وهو تصور كانت تحكمه رؤيتها الإيديولوجية. لكن ذلك لم يمنع من تناسل وسائل الإعلام في تونس ما بعد الثورة وإثارتها لقضايا بعضها جديد، وبعضها كان مسكوتا عنه.

وفي أجواء الحرية التي حملتها رياح الثورة معها، عمت الفوضى في المجال الإعلامي خاصة بالنسبة للإذاعات التي كانت تبث بدون تراخيص، وكثرت الأخطاء المهنية في بعض البرامج التلفزية التي كانت تبحث عن الإثارة.

وبعد “الطفرة” التي شهدتها السنوات الأولى بعد الثورة، بدأت مرحلة “تنظيم السير” داخل هذا القطاع، لكن كثيرا من الإعلاميين يخشون من أن يكون الهدف من وراء هذا التنظيم هو “الضبط والمراقبة”، خاصة وأن وسائل الإعلام الكبيرة والمؤثرة، مثل القنوات التلفزيونية، مازالت في ملك رجال أعمال محسوبين على عهد ما قبل الثورة.

مصر: الاستقطاب و”غياب الأخلاق

رغم هامش الحرية الكبير الذي منحته الثورة لوسائل الإعلام المصرية، إلا أن عامل الاستقطاب السياسي أثر على استقلاليتها في جل المراحل التي عبرتها مصر منذ إسقاط الرئيس حسني مبارك، وحتى انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي أغلق القوس.

ولعل أكبر الأخطاء التي ارتكبها الحكم السابق في مصر، هو عدم إسراعهم في سن قوانين ليبرالية تضمن حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام، وتنصيب هيئات رقابية مستقلة تسهر على تنظيم البث الإذاعي، وخاصة التلفزي الذي أفرز العديد من التجاوزات غير المهنية، كانت ردود فعل السلطة عليها آنذاك غير قانونية، وأثرت على صورة مصر الثورة في التقارير التي أنجزتها منظمات دولية مختصة في مراقبة حرية الصحافة والإعلام في العالم.

وبالرغم من أن مصر كانت ومازالت تعتبر من بين الدول العريقة في مجال الممارسة الصحفية، إلا أن الثورة وتحولاتها كشفت عن غياب الوازع الأخلاقي عند كثير من المهنيين الذين سقطوا في امتحان الضمير المهني.

ليبيا: الإعلام أداة المتحاربين

أدى سقوط نظام معمر القذافي إلى إنهاء نحو أربعة عقود من الاحتكار الرسمي لوسائل الإعلام بكل أنواعها، وأكثر من ذلك ساهمت الأجواء التي خلقتها الثورة في كسر حاجز الخوف لدى الليبيين. وفي خضم هذه الأجواء ازدهرت وسائل الإعلام بكل أصنافها وخاصة القنوات التلفزيونية، لكن حالة الفوضى والارتباك التي صاحبت هذا الانفتاح المفاجئ على وسائل الإعلام، أثرت سلبا على آدائها.

ويمكن ملاحظة عاملين اثنين أثرا سلبا وبقوة على المشهد الإعلامي الليبي، العامل الأول هو عدم وجود قوانين أو لوائح تنظم الإعلام في ليبيا سواء قبل الثورة أو بعد قيامها، وعدم الاستقرار السياسي الذي مازال يتخبط فيه البلد واستمرار هذا الفراغ حتى يومنا هذا، أما العامل الثاني فتمثل في غياب المهنية لدى الإعلاميين الليبيين، حيث ازدادت الأخطار المهنية، وساهم الاستقطاب السياسي وسيطرة بعض الفصائل السياسية على وسائل الإعلام إلى تحويلها إلى إحدى أدوات الصراع في الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد.

المغرب: خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف

في المغرب، وبالرغم من كل الوعود والقوانين التي أنجزت وتمت المصادقة عليها بهدف إصلاح الإعلام وتطويره، بقيت دار لقمان على حالها، فالقوانين التي صودق عليها مؤخرا وتهم حرية الصحافة والتعبير، كان هاجس أصحابها فرض مزيد من الضبط وليس التقنين.

فما منحته هذه القوانين باليمين (تخفيف بعض العقوبات السالبة للحريات في قانون الصحافة)، أخذته باليسار (تشديد العقوبات السالبة للحرية في مجال النشر وحرية التعبير في القانون الجنائي).

وفي ظل التراجعات الكبيرة التي يعيشها المغرب اليوم في مجال الحقوق والحريات، تتضخم الرقابة الذاتية عند كثير من الصحفيين، ويزدهر بالمقابل نوع من “الصحافة المتخصصة” في مهاجمة صاحب كل رأي حر ومستقل، في خرق سافر لأبسط أخلاقيات المهنة وقواعدها، وتحت مرأى ومسمع من الهيئات الرقابية الكثيرة التي خلقتها السلطة لتنظيم أو بالأحرى لضبط وسائل الإعلام.

إن حالة الإعلام في الدول العربية الأربعة، تونس ومصر ولبيبا والمغرب، هي انعكاس لحالة التراجع الكبير الذي تشهده المنطقة العربية، بتأثير من فعل “الثورات المضادة” التي أفرغت شعارات الثورات الشعبية من كل محتوى.

ثلاثة مفاتيح أساسية

وإذا كان من درس علمته تجارب ثورات “الربيع العربي” لشعوبها وبلدانها، فهو أن التغيير سواء عن طريق الإصلاح من الداخل أو الثورات المفاجئة، لا يمكنه أن ينجح بدون وجود حرية تسمح للمواطن بالتعبير الحر عن رأيه، ووجود وسائل إعلام مستقلة قادرة على النقد.

والمفاتيح لمثل هذا التغيير عديدة، لكن هناك ثلاثة أساسية وهي:

أولا: برامج تعليمية تعلم النشئ القدرة على ممارسة النقد، وطرح الأسئلة والشك في المسلمات للبحث عن أجوبة لأسباب شكه.

ثانيا: الحرية بمفهومها الشامل التي تشمل حرية التفكير والتعبير والاختيار، فالحرية هي جوهر كل بناء ديمقراطي حقيقي.

ثالثا: وسائل إعلام حرة ومستقلة تمارس النقد، دورها أن تكون محامي الشعب، وتقوم مقام المدافع عن المصلحة العامة

وبدون هذه المفاتيح الثلاثة المرتبطة بعضها البعض لا يمكن أن يتحقق أي تغيير، وغيابها اليوم في أكثر من دولة عربية يجعل عمليات التغيير من باب المستحيل.

الحاجة إلى النقد

لقد لعبت وسائل الإعلام دورا مهما في التمهيد للإصلاح، وفي قيام الثورات التي سعت إلى التغيير، عندما أتاحت هامشا للأصوات الحرة والمنتقدة في بلدانها، والثورات التي شهدتها المنطقة العربية عام 2011 كانت في جانب منها نتيجة لعملية “الحفر” تلك التي أنجزتها الأصوات المنتقدة على مدى سنين.

إن التغيير هو عملية حتمية، وإذا لم يتحقق بالإصلاح، سوف يتحقق بالثورات التي قد تتحول إلى حروب أهلية مدمرة كما هو حاصل اليوم في سوريا واليمن وليبيا.

لذلك فإن من مصلحة الأنظمة العربية أن تترك هامشا للنقد في وسائل الإعلام، يسمح بالتنفيس عن الأجواء المحتقنة داخل مجتمعاتها، فالنقد في وسائل الإعلام هو صمام أمان ضد الثورات المفاجئة، وفي نفس الوقت عامل من عوامل التغيير التدريجي، حتى لو كان بطيئا وغير مرئيا

*علي أنوزلا، كاتب صحفي