دولار لكل قصة

دولار لكل قصة

بينما يكافح الصحفيون الأوغنديون لكسب لقمة العيش يلقي وضعهم المالي بظلاله الثقيلة على جودة عملهم الصحفي.
article image
Photo AFP

يعمل جوزف الونيا مديرا لمكتب شبكة الاذاعة الأوغندية في شرق البلاد اضافة الى عمله غير الدائم كمقاول للسيارات. جوزيف الذي يقول ان عمله في السيارات يمكنه من توفير لقمة العيش لاسرته يصف عمله في الصحافة بالقول "تدر علي مهنتي الصحفية  500 دولار اميركي شهريا لكن كوني ابا لاسرة فانا لا استطيع ان اعيل عائلتي بهذا المبلغ".

ويضيف "هذا لا يعني أنني لا أولي الصحافة عناية قصوى بوصفها مهنتي الأولى فانا يساعدني شخص ثان في إدارة أعمال بيع السيارات لأتفرغ لمراقبة التعاملات. وعلى الرغم من أن الصحافة لا تدر علي دخلا كبيرا فهي هوايتي ولا أفكر في تركها."
 
حالة جوزيف ليست معزولة فهو احد الاف الصحفيين الأوغنديين الذين يزاولون اكثر من عمل في ان واحد.
 
بدورها كريستين البالغة 24 عاما والتي ترفض الكشف عن إسمها الكامل مخافة أن تخسر وظيفتها تعمل مراسلة  مختصة في شؤون المحاكم لدى محطة إذاعية ناطقة باللوغاندا.
 
تقول كريستين "يستهلك عملي كمراسلة في المحاكم كامل وقتي وجهدي وأقوم بمفردي بتغطية الأخبار من المحاكم الابتدائية حتى المحكمة العليا، فرئيسي في العمل يطلب مني اعداد كافة التقارير بمفردي ستة أيام في الأسبوع، لكن عند نهاية الشهر لا يتناسب مرتبي مع حجم العمل الذي أقوم به".
 
وتتقاضى كريستين شهريا 4500 شيلينغ اي ما يعادل 173 دولارا آمريكيا  فيما يتطلب عملها سرعة قصوى تقول عنها " لإعداد أي تقرير يلزمني مابين 10 الى 15 دقيقة وهو مايعني انني لا اجري اي بحث عن خلفيات هذه التقارير".
 
تحرير الأخبار وبيع الملابس الداخلية
 
تخطط كريستين الحاصلة على شهادة الباكلوريوس للانتقال إلى مهنة أخرى تدر عليها مرتبا أكبر. وفي الأثناء تتبع كريستين خطة مماثلة لخطة جوزيف تصفها بالقول "هل تصدق أنني لكي ازيد من دخلي علي ان أزاول أعمالا أخرى مثل بيع قبعات السيدات المستخدمة والملابس الداخلية وألعاب الأطفال."
 
ويشير تقرير بعنوان " المقياس الافريقي لأوغندا 2010" اعده فريدريش ابرت ستيفتونغ الى أن الصحفيين المبتدئين العاملين في وسائل الإعلام الخاصة يتقاضون راتبا شهريا صافيا يصل إلى 500،000 شيلينغ أو 250 دولارا أمريكيا،  فيما يتقاضى كبار الصحفيين مابين 500 إلى 1000 دولار.
 
لايعتبر هذا الراتب منخفضا للغاية في أوغندا إذ يتقاضى اساتذة المدارس الابتدائية 110 دولارات شهريا ونادرا مايتجاوز راتب أساتذة الجامعات المبتدئين 450 دولارا. ويعاني الصحفيون المستقلون بشكل خاص اكثر من نظرائهم من ذوي الاعمال الحرة في اوغندا.
 
ويتقاضى الصحفيون العاملون في المناطق الريفية نصف دولار للقصة المنشورة في الصحف فيما يحصل زملاؤهم في الاذاعة على دولار عن كل قصة تبث، وتقل رواتب هذه الفئة من الصحفيين بكثير عن رواتب الفئات المذكورة سابقا حيث يعتقد انها تتراوح بين 50 و 150 دولارا.
 
تدني رواتب الصحفيين لا يؤدي الى الإحباط فقط بل يتجاوزه ليصبح مصدرا للفساد المتفشي في قطاع الإعلام في أوغندا.
  
الفساد في وسائل الإعلام
 
عند إعدادهم لبعض التقارير التي تتناول أشخاصا معينين بالنقد، يطالب الصحفيون أولئك الأشخاص بمبالغ وعندما يقبلون بدفعها يقوم الصحفيون بإلغاء التقرير.  
 
كما يطالب بعض الصحفيين المنظمات وخصوصا المنظمات غير الحكومية بدفع رسوم "التسهيلات" مقابل تغطيتهم للحفلات والمناسبات التي تنظمها، كما تساهم منظمات المجتمع المدني في جعل هذا النوع من الفساد ثقافة سائدة.
 
كبريات وسائل الإعلام توفرالنقل للمراسلين العاملين لديها او تعطيهم مقابلا نقديا وهو ما ينفي ضرورة اللجوء الى رسوم التسهيلات. بالمقابل لا تقدم وسائل الإعلام الصغيرة هذا الدعم تاركة المراسلين العاملين لديها عرضة للإغراء.
 
ويتعلق الأمر بشكل خاص بمراسلي المحطات الإذاعية الذين يفتقر العديد منهم إلى وسائل النقل ومعدات البث مثل اجهزة التسجيل كما يعملون بلا عقود ودون حماية.
 
يقول رئيس رابطة الصحفيين الأوغنديين جوشوا كياليمبا في هذا الصدد "نواجه جميعا مشكلة كبيرة في هذا البلد تتمثل في عدم وجود سياسة وطنية تعرف الحد الأدنى للأجور كما ترفض غالبية المؤسسات الإعلامية  توظيف الصحفيين بشكل رسمي".
 
والسبب وراء هذه المشكلة بسيط جداً وهو ان الصحفيين المستقلين غير مشمولين بقانون التوظيف ونتيجة لذلك فهم لا يتمعون بأية حقوق او مزايا.
 
وفي حال واجه هؤلاء الصحفيون مشاكل – كأن يتعرض أحدهم للاعتداء – لا تلتزم المؤسسات الإعلامية بتغطية نفقاتهم الطبية، واذا أسرع أحد الصحفيين إلى العمل لكي يصل في الوقت المناسب وتعرض أثناء ذلك لحادث سير فليس له الحق في التغطية الصحية.
 
الصحفيون المستقلون يواجهون صعوبات أكبر
 
الحادثة التي تعرض لها الصحفي المستقل تشارلز اريكو والذي يعمل لدى الصحيفة الخاصة "ريزر" خير دليل على وضع هذه الفئة من الصحفيين، فمنذ تعرض اريكو لحادث على دراجته النارية نجمت عنه إصابة في العمود الفقري لم يعد قادرا على الجلوس أو المشي.  
 
مستقبل اريكو يبدو قاتما نظرا لعجزه عن دفع مبلغ 20 دولارا أسبوعيا لتغطية تكاليف العلاج الطبيعي الذي يجب ان يخضع له، وقد قام زملاؤه من الصحفيين بجمع بعض المبالغ لمساعدته على سداد نفقاته الطبية الباهظة في ضوء عدم شعور أية مؤسسة صحيفة بالمسؤولية تجاهه.
 
ويرى الدكتور بيتر مسيغيي المدير التنفيذي للمركز الإفريقي للتميز الإعلامي أن مالكي وسائل الإعلام يتحملون المسؤولية عن هذا الوضع السيئ.
 
"إن الدافع الرئيسي لمالكي المحطات هو تحقيق الأرباح، فأغلب غرف الأخبار لا تهتم بالقصص الجيدة مثل تلك التي تتحدث عن مناجم الذهب في منطقة " كاراموجا"أو في جنوب غرب أوغندا حيث يجري حاليا التنقيب عن النفط  وحيث من المؤكد ان الصحفيين سيجدون مواضيع كثيرة لإعداد تقارير عنها. وبدلا من ان ترسل هذه المحطات مراسليها إلى هذه المناطق تقوم عوضا عن ذلك بارسالهم الى موقع غوغل.
 
ويوجد تفاوت كبير في نظام  الرواتب المتبع داخل غرفة الأخبار وهو ما قد يحبط بعض الصحفيين ممن ليست لديهم قناعات راسخة باهمية هذه المهنة حيث انهم يقارنون رواتبهم مع رواتب رؤسائهم.
 
يقول مسيغيي"إلا أن البعض الآخر ممن يحبون الصحافة يؤدون أعمالهم على أحسن وجه فهم يعون أن تركيزهم على القصص الحقيقية سيسمح لهم بالوصول إلى غرف الأخبار الدولية وعندما تتحقق هذه الإمكانية فستفتح أمامهم العديد من الفرص، واذا لم يفعلوا ذلك فسيجنون على انفسهم. بالنسبة لي القول أن تردي نوعية العمل الصحفي عائد إلى انخفاض الرواتب ينطوي على الكثير من التبسيط".
 
العمل لدى وسائل الإعلام الدولية
 
لتحسين ظروف عمل الصحفيين بدأت رابطة كاليمبا للصحفيين العمل على أنشاء أول تعاونية أخبارية من نوعها في أوغندا.
 
يقول كياليمبا "نريد أن يقوم الصحفيون بخلق مركز معلومات ومن ثم نقوم بربطهم بأسواق الأخبار عبر العالم ماسيمكنهم من اكتساب 100 دولار امريكي شهريا وهو المبلغ الذي تكافح الغالبية العظمى منهم مدة شهرين للحصول عليه" .
 
القليل من الصحفيين المحظوظين يتلقون دخولا أكثر من ذلك بكثير وخصوصا أولئك الذين يتمكنون من الحصول على وظائف مع المؤسسات الإعلامية الدولية حيث يتقاضون رواتب أعلى بكثير من رواتب زملائهم العاملين لدى وسائل الإعلام المحلية".
 
على سبيل المثال جاستين درالاز مراسل تلفزيون رويترز في أوغندا يقول  "يرتبط راتبي بمدى قوة القصة التي أعدها وبالطريقة التي اقدمها فأنا أتلقى مابين 500 إلى 600 دولار أمريكي عن القصة المثيرة".
  
في حين ينصب اهتمام الإعلام العالمي على دولة كينيا المجاورة ولا تلقى أوغندا اهتماما كبيرا الا ان درالاز يتمكن من إعداد وإرسال قصتين أسبوعيا لرويترز وهي فرصة يحلم بها 99% من الصحفيين الأوغنديين .
 
يقول مسيغيي "لا ألوم الصحفيين الذين يتسللون إلى المؤتمرات من دون دعوة حتى يأكلوا فأغلبهم تحولوا إلى دجالين وذلك بالرغم من تعلمهم ومهنيتهم. كل الصحفيين الذين يطرقون باب مأدبة من أجل الحصول على الغداء وبعد ذلك يطرقون باب مأدبة أخرى للحصول على العشاء يفعلون ذلك لأنهم يصارعون من أجل البقاء. بعد العشاء الأخير يتوجهون مشيا على الأقدام إلى المنزل ليبدأوا التفكير في اليوم المقبل".

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2013

Designed and developed by Media Plus Jordan