في ضيافة الأمن المركزي المصري

في ضيافة الأمن المركزي المصري

المصور المصري محمد الزكي يروي قصة اعتقاله وتعذيبه على أيدي عناصر الأمن المركزي في مصر.
article image
محمد الزكي

المكان هو مقر مجلس الوزراء بالقاهرة والتاريخ هو فجر الجمعة الموافق 16 ديسمبر 2011 والحدث هو ما بات يعرف في تاريخ مصر باحداث مجلس الوزراء الذي سقط فيه ثلاثة قتلى وجرح ما لايقل عن ثمانية وستين جريحا من بينهم مدنيون وعسكريون.

في صبيحة ذلك اليوم دارت اشتباكات دامية بين مواطنين كانوا يعتصمون أمام مقر مجلس الوزراء احتجاجا علي تعيين الدكتور كمال الجنزوري رئيسًا  لمجلس الوزراء وعناصر الشرطة العسكرية التي كانت تحرس المكان. وقد اندلعت الاشتباكات إثر أنباء عن احتجاز احد المعتصمين داخل مقر مجلس الوزراء، والاعتداء عليه بالضرب، ما أدى إلى إشعال الموقف حيث ادى الى تراشق بالحجارة بين الطرفين بشارع مجلس الوزراء والشوارع المحيطة به.

المصور المستقل محمد الزكي كان في طليعة المصورين الذين خرجوا صبيحة ذلك اليوم لتصوير مواجهات " مجلس الوزراء" الدامية. وكان ، رفقة بعض زملائه في المهنة، في قلب الحدث يصورون الاشتباكات والضحايا وهم يسقطون قبل ان يتحولوا هم الى ضحايا حيث تلقفتم ايد خشنة واقتادتهم الى وزارة الداخلية بتهم مختلفة يختزلها محمد في عبارة واحدة " قبضوا علي متلبسا بجريمة التصوير".  اليكم القصة كما رواها الزكي لمركز الدوحة لحرية الإعلام.

التهمة: مصور!

فجر يوم الجمعة علمت بالاحداث المعروفة باحداث مجلس الوزراء فحملت عدة التصوير وتوجهت الى المكان لتغطية الأحداث.

عندما وصلت المكان كان الوضع مشحونا للغاية لكن لم تكن المواجهات عنيفة. وفجأة وبينما كنت أصور بدأت قوات الأمن الموجودة في المكان باطلاق القنابل المسيلة للدموع ورصاص الخطروش على المتظاهرين. تفرق المتظاهرون الذين كانوا حولي الى الوراء وفجأة وجدت نفسي تحت أيدي ضباط من وزارة الداخلية.

عرفتهم على نفسي وقلت لهم انني مصور صحفي و اخرجت بطاقتي الصحفية والترخيص الذي كان معي والذي استصدرته من السلطات المختصة لكن الأمر جاء بنتائج عكسية فقد انهال علي الضباط بالضرب فجأة وكأن ما قلته كان كلمة السر التي ينتظرونها ليبدأوا الاعتداء علي.

كان الضباط يتبادلون علي بالضرب والركل ولم اعد قادرا على تمييز ما يقال من كثرة الشتائم والسب التي كانوا يتلفظون بها بمجرد تأكدهم من أنني صحفي. و أثناء هذه الفوضى قام احدهم بأخذ الكاميرا التي كانت بحوزتي ورش مادة على عيني تسمى "سلف" ، وتحتوى على فلفل اسود، أفقدتني القدرة على رؤية ما يدور حولي.

تخيلت في تلك اللحظة انني اصبت بعمى دائم ولم اكن اعرف ما اذا كنت ساستعيد بصري ام لا. لم يكن هناك مهرب ولم يكن لدي بديل غير الاستسلام للمجموعة التي كانت تحيط بي اذ كنت فاقدا للبصر ومع اني لم استطع معرفة عددهم الا انني كنت اشعر ان حوالي عشرين شخصا من الامن المركزي علي الاقل يحيطون بي.

كنت أشعر بألم فظيع في جميع جسمي وكنت احس الركل والضرب الذي كان ياتي من كل مكان وعلى كل مكان في جسمي على العين والرجل والراس والبطن والساعد. تداعيت مرات عديدة لكنني كنت احاول جاهدا ان لا اسقط على الارض حتى لا اتعرض لتعذيب اقسى وتدوس علي اقدامهم.

بعد حوالي عشر دقائق من الضرب قام احد المحيطين بي باطلاق وابل من رصاص الخرطوش على راسي وظهري فكاد يغمى علي من الألم. استقرت خمس رصاصات في ظهري وثلاثة في رأسي. وقد خضعت لعملية جراحية بعد خروجي من السجن لإزالة تلك الرصاصات من جسمي.

تعذيب في وزارة الداخلية !

اقتادوني وآخرين ، لم اكن اعرف من هم حيث كنت فاقدا لبصري ، تبين فيما بعد ان من بينهم صحفيين ومصورين، الي سيارة تابعة للجيش اوصلتنا الي وزارة الداخلية. بعد وصولي للوزارة تم اقتيادي من مكتب الى آخر وسط سيل من الشتائم والضرب والركل الى ان انتهى بي المطاف في مكتب رئيس المباحث.

بعد ان تعرف علي رئيس المباحث الذي لم اكن قادرا علي رؤيته ، بسبب المادة التي رشت على عيني ، طلب مني ان اغسل وجهي و بعد ان غسلت وجهي عدة مرات بدأ تاثير المادة التي افقدتني البصر يخف واستعدت بصري تدريجيا. كان ذلك بعد ساعة ونصف من وصولي الى وزارة الداخلية.

قضيت ثمان ساعات في وزارة الداخلية لا ابالغ اذا قلت ان الضرب خلال ست ساعات منها لم يتوقف واكنوا يتهمونني وبقية الاعلاميين بالعمالة ويتفننون في كيل الشتائم لنا طوال الوقت. وان متيقن ان سبب الاعتداء علي بهذه القسوة هو لانني اعلامي ولانهم امسكوا بي وفي يدي كاميرا تصوير.

في النهاية تم نقلي الي قسم شرطة عابدين قرب وزارة الداخلية  حيث قاموا بفتح محضر اداري لي هناك واجبروني علي التوقيع عليه مستخدمين في ذلك اصنافا من التهديد والضغط النفسي.

وبعد ان انتهي موضوع المحضر ووقعت عليه مكرها وعدوني بأن يعيدوا الي الكاميرا التي كانوا قد أخذوها مني عندما اعتقلوني أمام مقر مجلس الوزراء ثم اخبروني انها في وزارة الداخلية وان علي ان اعود الي هناك لاستلامها.

عدت الي وزارة الداخلية فاجتمع علي مجموعة من الشرطة. أخبرتهم أنني عدت لاستلام الكاميرا. بدأت المجموعة في تفتشي واخذوا كل ما كان بحوزتي. أخذوا جوالي ومبلغا من المال كان في جيبي وحتى القناع الذي كنت اضعه ضد القنابل المسيلة للدموع أخذوه !!   

بعد ذلك " التفتيش" غادرت الوزارة فقد تم الافراج عني بعد ان تدخلت بعض المؤسسات الإعلامية للمطالبة باطلاق سراحي وبقية الزملاء الإعلاميين المعتقلين، لكن قرار الإفراج لم يشمل الكاميرا التي بقيت رهن الإعتقال في وزارة الداخلية.

بقلم: عائشة سيد أحمد

 

 

 

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2013

Designed and developed by Media Plus Jordan